Khabarokom Logo
آخر الأخبار

    "تخبّط" بين أركان الحكم: من "يتجرّأ" على من؟! - حسين عاصي "النشرة"

    الخميس 28 أيلول 2017
    "تخبّط" بين أركان الحكم: من "يتجرّأ" على من؟! - حسين عاصي "النشرة"

    في لبنان، لطالما كانت العلاقة "المتناغمة" بين رئاسات الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي هي القاعدة لا الاستثناء، وخير دليلٍ على ذلك ما كان يُحكى عن "ترويكا" تجمع شاغلي المناصب الأرفع في الدولة، وتعبّر خير تعبير عن "تحالف المصالح" الذي يعلو فوق كلّ الاعتبارات والحسابات الأخرى ولا يُعلى عليه. وإذا كانت السنة الأولى من عهد ​الرئيس ميشال عون​، التي أوشكت على الانتهاء، لم تشذّ ظاهريًا على الأقلّ عن هذه القاعدة، رغم كلّ الهواجس التي أحاطت بانتخابه، فإنّ الساعات الماضية حملت مؤشّرات "تخبّط" قد لا يكون مسبوقًا بين أركان الحكم، ترجم بحديث فريق رئيس الحكومة عن "تجرؤ" عليه، ورئيس المجلس النيابي عن "اعتداءٍ" على صلاحيّاته، وكلاهما كان "يغمز" من قناة رئيس الجمهورية. وسط كلّ ذلك، يُطرَح السؤال: من "يتجرّأ" على من؟ ومن "يعتدي" على من؟ وأيّ تداعياتٍ ستحملها هذه "المعمعة" في القادم من الأيام؟. خلافات "على القطعة" تعليقًا على قرار ​المجلس الدستوري​ إبطال قانون ​الضرائب​، اعتبر رئيس المجلس النيابي ​نبيه بري​ ما يحصل "تجاوزاً للمجلس النيابي وتجرؤا عليه، واعتداء على صلاحيات رئيس المجلس أو خرقاً ل​اتفاق الطائف​، بل بداية قتله". ولأنّ موقف بري أتى بعد موقفٍ آخر، رأى فيه أنّ حكم المجلس الدستوري "لم تأت به الملائكة"، كان من الطبيعي تفسيره على أنّه "رسالة" واضحة الدلالات موجّهة بشكلٍ مباشر إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي يعرف القاصي والداني أنّ "الكيمياء" مفقودة بينه وبين بري، الذي يُعتبَر من "الأقلية" التي بقيت حتى اللحظة الأخيرة معارضة لانتخابه رئيسًا للجمهورية، رغم "التسوية السياسية" التي أفضت إلى ذلك. بمعنى آخر، فإنّ بري "الممتعض" من قرار المجلس الدستوري يعتبر أنّه أتى "مسيّسًا"، ليس فقط لكونه جاء لمصلحة المصارف كما قال في البداية، بل لأنّه وضع اليد، في مكانٍ ما على صلاحيّات مجلس النواب، الذي يعود له وحده وفق بري سنّ القوانين والقيود الدستوريّة، وأكثر من ذلك، وهنا بيت القصيد، لكونه أتى "متناغمًا" مع موقف رئيس الجمهورية القائل بإقرار ​الموازنة​ أولاً، ولعلّ ما زاد في الطين بلة على هذا الصعيد تمثّل في مواقف بعض المحسوبين على الأخير والذين اعتبروا أنّ قرار المجلس الدستوري "أنصفه"، ملمحين إلى أنّ رئيس المجلس النيابي هو من كان مصراً على إقرار السلسلة قبل الموازنة. وعلى الرغم من أنّ علاقة رئيس الجمهورية برئيس الحكومة ​سعد الحريري​ تبدو أفضل حالاً من علاقته ببري، في ضوء "التفاهم" المُعلن بينهما مع انطلاقة العهد الجديد، والذي ترجم "غضاً للنظر" عن الكثير من الخلافات التاريخيّة، والتي لا تختزل بـ"الإبراء المستحيل" ولا بواقعة إسقاط حكومة الحريري، فإنّ "الألغام" الكامنة خلف اختلافاتهما الاستراتيجية كفيلة بـ"نسف" كلّ اتفاقاتهما، مهما كبر أو صغر حجمها، وبالتالي وزنها، وهو ما يحصل حاليًا على خلفيّة ملفّ التطبيع مع ​سوريا​. صحيحٌ أنّ الحريري، على الصعيد الشخصيّ، التزم الصمت بعد اللقاء-القنبلة الذي جمع كلاً من وزير الخارجية ​جبران باسيل​، المحسوب على عون، ونظيره السوري ​وليد المعلم​، رغم "الإحراج" الذي شعر به، لأنّه، بعكس بري، لا يستطيع المخاطرة بتحويل المشكلة إلى "شخصية" مع الرئيس. ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ المقرّبين منه تولوا إيصال رسالة "الامتعاض" على طريقتهم، وعلى رأس هؤلاء وزير الداخلية ​نهاد المشنوق​، الذي، ومهما قيل، يعرف الجميع أنّه ينسّق مع الحريري بالشاردة والواردة، وبالتالي أنّه لم ولن يتصرّف من تلقاء نفسه، بمعزلٍ عن الأخير، علمًا أنّ كتلة "المستقبل"، التي يُقال أنّها تنطق باسم رئيس الحكومة الأسبق ​فؤاد السنيورة​، أيّدت المشنوق في ما ذهب إليه، في "تناغمٍ" قلّ نظيره بين الجانبين منذ فترة طويلة، ولذلك أيضًا دلالاته ومعانيه. لا تحالف ولا مواجهة هو تخبّط غير مسبوق إذاً بين أركان الحكم الثلاثة، الذي يبدو أنّ كلاً منهم يغنّي على ليلاه. لكن، وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن بأيّ شكلٍ من الأشكال الحديث عن تحالف بين رئيسي الحكومة والمجلس النيابي في وجه رئيس الجمهورية، إذ إنّ كلاً منهما لا يجد نفسه بالضرورة في صفّ الثاني في "مواجهته" مع الرئيس، التي تحمل عناوين "متناقضة" في مكانٍ ما. فإذا كان صحيحًا أنّ مشكلة رئيس المجلس النيابي مع رئيس الجمهورية عامة، وهي لا تنحصر بقضية المجلس الدستوري، فإنّ الأصحّ من ذلك أنّ بري لا يفكّر مرّتين قبل أن يصطفّ إلى جانب رئيس الجمهورية في موضوع التنسيق مع سوريا، وهو الموضوع الذي سبّب "غيظ" الحريري، بل إنّه كان "السبّاق" في ذلك مع زيارة الوزير المحسوب عليه ​غازي زعيتر​ إلى دمشق بصفةٍ أصرّ على "رسميّتها"، وصولاً لحدّ الحديث عن دعوة نظيره السوري لزيارة بيروت. وأبعد من تناقض الأجندات بين كلّ من بري وعون، الذي لا يجعل "تلاقيهما" على مواجهة نهج رئيس الجمهورية مبنيًا على أسسٍ واضحة وسليمة، فإنّ الأكيد أنّ لا مصلحة لكليهما أيضًا في مثل هذه المواجهة. فالحريري يتطلّع إلى تعزيز "تفاهمه" مع عون عشيّة ​الانتخابات النيابية​ لا دفنه في مهده، خصوصًا أنّه يعتبر أنّه بحاجةٍ إلى أن يتحالف معه في الكثير من الدوائر، بالنظر لوضعه غير المستقرّ انتخابيًا، من دون أن ننسى تقديره العالي للعديد من المواقف التي "باعه" إياها عون، وأبرزها غضّ النظر عن الانتخابات الفرعيّة، التي كان إجراؤها في طرابلس بالتحديد سيشكّل إحراجًا منقطع النظير للحريري في هذا الوقت، رغم أنّ تطييرها يُعتبَر مخالفة دستورية فاقعة لن يكون عون بريئًا منها. وفي المقابل، فإنّ لا مصلحة لبري أيضًا في "الطلاق" مع عون، ولو لم يكن من المحبّذين لانتخابه رئيسًا من الأصل، ولو لم يكن كذلك من "المرتاحين" له، ومن خلفه لأداء وزير الخارجية جبران باسيل، لأنّ بري يعلم علم اليقين أنّ الدخول في مواجهةٍ مع رئيس الجمهورية لن يكون لصالحه على المدى الطويل، وإن كان مقتنعًا بأنّ حفاظه على وصفه القديم الجديد كـ"حليف حليف" عون قادرٌ على تحصينه من أيّ عواصف محتملة، خصوصًا لجهة ما بدأ بعض "العونيين" يقولونه عن معركةٍ غير محسوبة على رئاسة المجلس النيابي بعد الانتخابات المقبلة، لأنّ بري يستطيع أن "يضمن" أنّ تحالفه مع "​حزب الله​"، الحليف الأكثر ثباتاً لعون رغم كلّ المتغيّرات، كفيلٌ بوضع حدّ لكلّ هذه "التكهّنات". عون ينأى بنفسه؟ إذا كان رئيس الجمهورية هو المتّهَم، مباشرةً أو مواربةً، بـ"الاعتداء" على مقام رئاسة مجلس النواب، و"التجرؤ" على مقام رئاسة مجلس الوزراء، فإنّه قد يكون من المفيد التساؤل عن موقفه من كلّ هذه "المعمعة"، هو الذي ينأى بنفسه، حتى إشعارٍ آخر، عن كلّ هذه الحملات، شاغلاً نفسه بجولاته الخارجيّة التي يوليها جلّ اهتمامه في هذه المرحلة. وفي حين يرى كثيرون أنّ رئيس الجمهورية، بسلوكه هذا، يريد إيصال رسالة للجميع بأنّه يتصرّف من موقع وطني لا حزبي، بعدما سلّم الدفّة الحزبيّة للوزير باسيل، فإنّ "العبرة" تبقى في التداعيات المحتملة لكلّ هذا "التخبّط" بالسياسة، وهي تداعياتٌ تبقى مستبعَدة، إلا إذا أصرّ أحد على تجاوز الخطوط الحمراء...

     

     

     حسين عاصي "النشرة"